عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

67

اللباب في علوم الكتاب

كانت المرأة تطوف ، وتضع يدها على فرجها ، وتقول : [ الرجز ] 2444 - اليوم يبدو بعضه أو كلّه * وما بدا منه فلا أحلّه فأمر اللّه تعالى بالسّتر فقال : « قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ » « 1 » يستر عوراتكم ، واحدتها سوءة ، سمّيت بها ؛ لأنّه يسوء صاحبها انكشافها ، فلا يطوف عاريا . قوله : « يواري » : في محلّ نصب صفة ل « لباسا » . وقوله : « وريشا » يحتمل أن يكون من باب عطف الصّفات ، والمعنى : وصف اللّباس بشيئين : مواراة السّوءة ، والزّينة ، وعبّر عنها بالرّيش لأنّ الرّيش زينة للطّائر ، كما أنّ اللّباس زينة للآدميّين ، ولذلك قال الزّمخشريّ « 2 » : « والرّيش لباس الزّينة ، استعير من ريش الطّير ؛ لأنّه لباسه وزينته » . ويحتمل أن يكون من باب عطف الشّيء على غيره أي : أنزلنا عليكم لباسين ، لباسا موصوفا بالمواراة ، ولباسا موصوفا بالزّينة ، وهذا اختيار الزّمخشريّ ، فإنّه قال بعد ما حكيته عنه آنفا : « أي : أنزلنا عليكم لباسين ، لباسا يواري سوءاتكم ، ولباسا يزيّنكم ؛ لأنّ الزّينة غرض صحيح كما قال تعالى : لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [ النحل : 8 ] وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ [ النحل : 6 ] وعلى هذا ، فالكلام في قوة حذف موصوف ، وإقامة صفته مقامه ، والتّقدير : ولباسا ريشا أي : ذا ريش » . فصل في وجوب ستر العورة قال القرطبيّ « 3 » : استدلّ كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب ستر عوراتهم ، وذلك يدلّ على الأمر بالسّتر ، ولا خلاف في وجوب ستر العورة . واختلفوا في العورة ما هي ؟ فقال ابن أبي ذئب : هي القبل والدّبر فقط ، وهو قول أهل الظّاهر ، وابن أبي عبلة والطّبريّ لقوله تعالى : لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ ، وقوله : بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما [ الأعراف : 22 ] ، وقوله : لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما [ الأعراف : 27 ] . وفي البخاريّ عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حسر الإزار عن فخذه حتّى إنّي أنظر إلى بياض فخذ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقال مالك : « ليست السّرّة بعورة ، وأكره له أن يكشف فخذه » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم 4 / 4320 كتاب التفسير باب في قوله تعالى : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ حديث ( 25 / 3028 ) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا قال : « كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول : من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها ، وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله * فما باد منه فلا أحله فنزلت هذه الآية : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . ( 2 ) ينظر الكشاف للزمخشري 2 / 907 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 7 / 117 .